الجمعة، 18 نوفمبر 2016

ما زال الشتاء يذكرني بك

واختفيت، لا أدري لماذا ولا أدري إلى أين، أو لعلني أدري..
ها هي كلماتي تتوهج و حدها تحت لمسات الشتاء،
تحاول التشبث بأنفاسها المتضائلة في لجة الظلام ..
تعابثها قطرات المطر،
دافئةٌ مثلها قطرات المطر.. مثلك
حين يحاصرني غيابك
كظلال المساء تنسكب من جزر الغيوم
لتعانق التلال النائمة
تلفح وجهي لمسة الصقيع .. أحن إليك
كالوحي
يهطل قصائد باكية
مثل خيوط المطر

تضم في ارتعاشة الماء
شعلة تتقد شجنا
جسدي المبتل كذاكرة الشتاء
الذي ما زال يذكرني بك

الجمعة، 11 نوفمبر 2016

إدموند سبنسر، أغنيّة

في هدأة النهار
و ارتعاشة النسائم
أرسلت رياح الغرب  الشذية

نفحة طيبة
أزاحت
لمسة أشعة الشمس الحارقة
التي راحت تتلألأ
في ألق
و عندما انتابني الضجر
لطول مكثي ببلاط اﻷمير
و لانتظاري بلا جدوى
و تعلقي بآمال خائبة
لا زالت تتطاير
كالخيالات الفارغة
بذهني المشتت

مشيت ،لأخفف من وطأة الخيبة،
بطول شاطئ نهر التايمز
الفضي المنساب
،ضفته التي ارتسمت عليها مسالك العربات
و الماء يلامس حوافها
قد تزينت بالأزهار من كل لون
و أحاطت بها المروج المرصعة بالجواهر الكريمة
التي تليق
زينة لمخدع الغانيات
أو لتكلل رفقاءهن
يوم الزفاف
الذي لا يدوم طويلا
فانسب يا نهر التايمز العذب،
انسب برفق، حتى أكمل أغنيتي

هناك في مرج
قرب حافة النهر
لمحت سربا من الحوريات
بنات الماء الحسناوات
شعهرهن المائل إلى اﻷخضر
ينداح طليقا
فكل واحدة منهن كانت عروسا
و بيد كل منهن سلة
ضفرت من أغصان جميلة
ملساء
مشتبكة اﻷماليد غريبة المظهر
يجمعن فيها الورد

وبأصابع ناعمة
تقصف بلطف
سيقان الورد الرقيقة
لتقطف
أصنافا من زهر المرج
جمعن بعض البنفسج اﻷزرق الشاحب
الذي يغمض أجفانه للمسة المساء
الزنابق العذراء و أزهار الربيع
و مجموعة من الورد القرمزي
لتزين بها باقات العرسان
يوم الزفاف
الذي لم يدم طويلا
فانسب يا نهر التايمز العذب،
انسب برفق، حتى أكمل أغنيتي


السبت، 29 أكتوبر 2016

النائم بالوادي

آرثر رامبو
ترجمة عبد الهادي السائح











في روضة خضراء يترنَّــم فيها النهر
متشبثا كالمجنون بأكمام العشب الفضية
تطلّ الشمس من الجبل الشامخ
ساطعة اﻷنوار
فيندفق زبد الضياء
في ذلك الوادي الصغير
هناكَ
جندي يرقد
فاغرا فاه، رأسه حاسر
و رقبته تسبح في حرف الماء اﻷزرق
تمدّد على العشب
تحت غيمةٍ تمدّد
شاحبَ الوجه
فوق سريره اﻷخضر
أين يهطل الضياء
يرقد ورجلاه في السوسن
باسما كما طفلٍ عليل
استسلم للنوم
هدهديه أيتها الطبيعة الحانية
فالبرد يكتنفه
لا يتجاوب لارتعاشة الشذى نفـَـسه
في الشمس يرقد
في سلام يرقد
يده على صدره
و بجنبه اﻷيمن
ثقبان يدميان.



الخميس، 27 أكتوبر 2016

همسات شجر الطقسوس، مقتطف من ترجمتي لأربعاء الرماد


شعر ت إس إليوت
ـ ترجمة عبد الهادي السائح ـ




هي ذي السنين تمر حاملة
معها الربابات و المزامير، باعثة
تلك التي تدب في الزمن الممتد بين وقت الهجوع
و حين الحراك،
ملتحفةً بالنور اﻷبيض انتطقت به ثنايا
تمضي اﻷعوام الحديثة، تبعثُ
في غشاوة من الدموع وضيئة، اﻷعوامَ،
القافية العتيقة في نظم جديد،
تُعْتق الزمن،
ترسل الرؤيا العصية على التأويل
في الحلم العُلوي
فيما تقترب مخلوقات أحادي القرن المرصّعة
من العرش المذَهّب.


الراهبة القانتة ذات النقاب اﻷبيض و اﻷسود
ثاوية بين أشجار الطقسوس
خلف إله الحديقة الذي سكنت أنفاس نايه
أشارت بلمحة منها، غير أنها لم تنبس ببنت شفة..
لكنّ النبع جاش
و الطائر شدا
لينعتق الزمن، لينبعث الحلم
أمارة كلمة ظلت حبيسة الفؤاد، غير منبوسة
حتّى تنثر الريح آلاف الهمسات من شجر الطقسوس
و لنا بعد ذلك المنفى.

الجمعة، 1 أبريل 2016

غزلية العاشق ألفرد ج بروفروك


أولى قصائد إليوت الكبرى حوار أو رحلة مع الذات لبروفروك، رجل في منتصف العمر، متردد، متخاذل، تعوزه الثقة بالنفس، خائب يخشى خيبة أمل أخرى وهو يقف أمام حجرة ملأى بالغواني يرحن فيها و يغدون ليتجاذبن أطراف الحديث عن الفن، عن أعمال الرسام الكبير مايكل أنجلو ، تلوّح إحداههن بإشارة من يدها أو يخيّل إليه ذلك فتطرق أبوابَ الحجرة أو نوافذَها أمانيه لترجع بها حيرته و تردده إلى موقف لا يبارحه، يعلـَق في زمن الانتظار، تحبسه خشيته أن تخيب آماله و يثنيه عجزه عن المبادرة و الفعل.
" هل أجرؤ على إزعاج رتابة الوجود؟" سؤال يلاحقه مثل اﻷصوات الخفيتة في ثنايا الموسيقى المنسابة من الغرفة القاصية، أصوات تجنح بين الفينة و اﻷخرى إلى سكون الصمت.
و تسترسل خواطره في رحلة وجودية مفعمة بالصور، صور محطمة تتناثر بين إيقاعات القصيدة المتنوعة كشظايا مدينة ممزقة.

تمتد الشوارع كالجدل المضجر، يلعق الضباب زوايا المساء،
[و] ينبسط المساء في فُسحة السماء مثل عليل تمدد مخدّرا فوق السرير.

لا أملك هنا إلا أن أتذكّر قول الزجال اﻷندلسي البارع
و جا الليل و امتد مثل القتيل

الجمعة، 13 نوفمبر 2015

غرق



نمْ يا صغـــيريَ فالمدى غرَقٌ 
                                                     واﻷفْــــــــــــقُ يقتلُ بسمة النورِ
ودمُ اﻷماني لجةٌ سرَحــــــــتْ 
                                                      شـفقًا على أهــداب ديجـــــــورِ
نمْ في عــــــــــيون الموجِ قافلةٌ 
                                                       تغفو كما في أعينِ الحـــــــــورِ
و حـــــــــــــكايةٌ هي كلُّها ألمٌ 
                                                       تُتلى على أجــــــــفانِ مسحورِ
أنَّ الرّدى بحرٌ تصافحــــــــــــه 
                                                    في شاطئٍ للدهرِ مهجـــــــــــورِ
و الرَّملُ مُرثيةٌ تنازعهــــــــــــــــا 
                                                     أيدي بنـــاتِ المــاءِ أن ثـــــوري
نمْ يا صديقيَ فالمدى غـــرَقٌ 
                                                   واﻷفْــــــــــــقُ يقتلُ بسمة النورِ



الفصحى بين الدارجة و لغة الكتابة



صحيفة الوطن الجزائريِِ؛ عبد الهادي السائح - الفصحى بين الدارجة و لغة الكتابة


2015-08-16



كل لغة ظاهرة فريدة بما تحويه من أنظمة معقدة و ما تشتمل عليه من مستويات في الخطاب و تنوعات أو تفرعات تاريخية، جهوية أو نخبوية تنفرد كل منها بخصوصيات تميزها وبسجلات أو معاجم من الكلم و أساليب للتعبير تختص بها دون غيرها، و قد تجتمع تلكم اﻷطياف و اﻷشتات حول لغة قياسية standard language (فصحى ) عادة ما تكون لهجة وسطا بينها ، لتصير قطبا جامعا لها و مركزا تتمحور حوله، فتستحوذ على أقلام اﻷدباء و تتجسد بها خواطر الكتاب باعتبارها اﻷكثر حظوة و اﻷخطر شأنا وقد لا تتوفر اللغة القياسية في بعض اللغات فتظل مجموعة من اللهجات المترابطة ينأى بعضها عن بعض أو يدنو حسب الموقع، و ربما وجدت أكثر من لغة قياسية لبعض اللغات كما هو الحال في الإنجليزية و الإسبانية.


و اللغة العربية ليست بدعا ولا استثناء ، تطورت وتأقلمت عبر الرقعة الجغرافية الواسعة التي تستحوذ عليها وواكبت بمرونتها العصور المختلفة مستوفية متطلبات التواصل في شتى المجالات. لقد كانت العربية و ما تزال شديدة التنوع جمة الثراء بلهجاتها القديمة و الحديثة، و بتدرج مستويات الخطاب فيها من كلام العامة إلى لغة الكتابة ، وهذان يجتمعان في عصرنا في منطقة وسطى تسمى اللغة الثالثة وهي اللغة السائدة في الإعلام السمعي البصري عموما و على ألسن المثقفين في حواراتهم وفي المدارس.


الكلام عن لغة العوام و اقترابها أو ابتعادها عن الفصحى قديم قدم النحو، ففي المغرب العربي ألّف اللغوي اﻷندلسي أبو بكر الزبيدي الإشبيلي كتابه لحن العوام في القرن الهجري الرابع/ العاشر ميلادي، تناول فيه بعض الأخطاء الشائعة على ألسنة العامة آنذاك و أرخ دونما قصد لكثير من الاستعمالات الدارجة التي لا تزال جارية على ألسنتنا أذكر منها على سبيل المثال: