الثلاثاء، 24 يناير 2017

الأرض الخراب

للشاعر ت س إليوت

لعبة شطرنج 


( الجزء الثاني)


ترجمة عبد الهادي السايح



كان الكرسي الذي جلستْ عليه، كالعرش المنمق * [1]
ينعكس ألقه على المرمر
حيث المرآة، تحملها أعمدة نقشت فيها كروم تتدلى عناقيدها
أطل منها ملاك ذهبي [2]
وآخرُ حجب عينيه بجناحه..
ضاعفت المرآة شُعَل
الشمعدان ذي الأغصان السبعة
انصب النور منها على المائدة
فتسامى بريق حليها ليلقاه
تسامى منسكبا من حقائب الحرير
وافرَ الألق وثيرَ الاندفاق...
من قواريرَ عاجيةٍ وزجاجيةٍ ملونة فاغرةِ الأفواه
فاحت عطورها الممزوجة
مرهمية ً، مسحوقة ً، سائلة ً، مضطربة ً ... حائرة
تـُغرق الحواس في الروائح، ينشرها الهواءُ
إذ يهب عليلا من النافذة.
تصاعدتْ
تنفخ شعلَ الشموع المتطاولة
قذفت بدخانها إلى السقف الخشبي
باعثة الحياة في أشكاله المنحوتة:
أعشاب بحرية ضخمة مشبعة بالنحاس
المصهور أخضرَ وبرتقالياً .. يحفه حجر ملون
وفي ذلك النور التعس يسبح دلفين منحوت.
وفوق الرف العتيق على المدفأة ..
، وكأن نافذة أشرعت على منظر في الغابة، كان مشهد
اغتصاب الملك البربري فيلوميلا [3]
بكل فظاظته.
وحتى هناك ملأ البلبل الصحراء بصوت لا ينتهك ...
و بكت وبكت
ويتابع العالم، لا يزال،
" زق زق " لآذان قذرة.
حكت الجدران
أشكالا خشبية أخرى من الزمن،
أشكالا ذاوية،
تحدق، تبرز عن محيطها،
تميل
تطبق الصمتَ على الغرفة.
تـَردّدَ صدى خطى متثاقلة على السلم.
تحت وهج الموقد، تحت ملمس المشط
تطايرت خصلات شعرها
حبيباتِ سنا
توهجت كالكلمات
ثم غرقت في سكون موحش.

*

أعصابي ليست على ما يرام الليلة، نعم ليست على ما يرام
ابق معي. حدثني، لمَ لا تتكلم أبدا. تكلم
ما الذي تفكر فيه، فيمَ تفكر؟ فيم؟
لا أدري ما الذي تفكر فيه أبدا، فكـِّر


أظن أننا في زقاق الجرذان
أين فقد الموتى عظامهم.

ما هذه الضجة؟
نواح الريح تحت الباب
ما هذه الضجة الآن؟ ماذا تفعل الريح ؟
لا شيء، مرة أخرى، لا شيء.
ألا..
تعلم شيئا، ألا ترى شيئا، ألا تذكر شيئا؟؟؟
أذكرُ
هذه اللآلئ التي كانت عينيه.
أأنت حي أم لا؟..
ألا شيء في خلدك؟
سوى...
آه تلك المعزوفة الشيكسبيرية الحديثة
أنيقة جدا
ذكية جدا
ماذا أفعل الآن؟ ماذا أفعل
سأُهرع خارجا في هيئتي هذه، أمشي في الشارع


وشعري مسدول إذن. ماذا نفعل غدا؟
ماذا نفعل سائرَ الأبد؟

حمام ساخن في العاشرة
وإذا أمطرت، سيارة مغلقة في الرابعة
سنلعب الشطرنج
نغمض أعينا بلا أجفان
وننتظر دقة على الباب.

*

عندما سُرِّح زوج ليل من الجيش، قلتُ لها
لم أداهنها، قلت لها بنفسي
- أسرعوا رجاء فالوقت يداهمنا_
آلبرت عائد، تزيني قليلا
سيود أن يعرف ماذا فعلت بالنقود التي أعطاك إياها
لترّكبي طقم أسنان.
قد فعل والله، كنتُ هناك
قال لك "اقلعيها كلها يا ليل واتخذي طقما حسنا
فأنا لا أحتمل النظر إليك، أقسم على ذلك."
قلتُ، ولا أنا أستطيع،
فكري في آلبرت المسكين
قد قضى أربع سنوات في الجيش ويريد أن يستمتع بوقته
إن لم تسعديه، أخريات سيسعدنه قلتُ لها.


أخريات؟ أحقا؟
لربما .. قلتُ
عندها سأعرف من أشكر، قالت لي، وحدجتني بنظرة صريحة
- أسرعوا رجاء فالوقت يداهمنا_
قلت ُ، إن لم يعجبك الأمر فسايريه،
آخرون يستطيعون الانتقاء والاختيار إن لم تستطيعي
إن غادرك ألبرت، فلسببٍ معلوم
حُقّ لك أن تخجلي من نفسك أنّك تبدين عتيقة هكذا
(ولمّا تعدُ الواحدة والثلاثين)

ليس في وُسعي شيء.. قالت.. وأطلت بوجه كئيب
إنها الحبوب التي تناولتها
لإسقاط الجنين
(لديها خمسة أطفال وكادت أن تموت لدى ولادتها جورج)
قال الصيدلي إنني سأكون بخير، لكنني ما عدتُ نفسي.
قلتُ، إنك حمقاء
إن لم يشأ آلبرت أن يتركك وشأنك، فكذلك ذلك...
لمَ تتزوجين إن لم تريدي أطفالا؟
- أسرعوا رجاء فالوقت يداهمنا_
ذاك الأحد عاد آلبرت، أعدا حساء
ودعياني إلى العشاء لتناوله ساخنا
- أسرعوا رجاء فالوقت يداهمنا
- أسرعوا رجاء فالوقت يداهمنا
عمتَ مساءً يا بل، عمتِ مساءً لُو. عمتِ مساء ماي.
عمت مساء تاتا.
عمتم مساء. عمتم مساء.
عمتن مساء سيداتي. سيداتي الحسناوات. عمتن مساء [4]



* *



الهوامش



الأحد، 22 يناير 2017

اﻷرض الخراب



للشاعر ت س إليوت

موعظة اللهب

(الجزء الثالث)


ترجمها عبد الهادي السايح


لقد تداعت خيمة النهر *

تتشبث الأوراق بأطراف أصابعها الأخيرة

ثم تغرق في ثرى الضفة الندي

تعبر الريحُ الأرضَ الغبراء في صمت

قد رحلت الحوريات

فانسب، يا نهر التايمز العذب، حتى أكمل أغنيتي [1]

النهر لا يحمل

القوارير الفارغة، ولا أوراق الشطائر أو مناديل الحرير،

لا يحمل علب الورق أو أعقاب السجائر

أو شيئا من آثار ليالي الصيف. قد رحلت الحوريات،

رحل أصدقاؤهن، وبقية باقية تلكأت من أعيان المدينة

رحلوا..

دون أن يتركوا عنوانا.

وجلست على ضفة بحيرة ليمان أبكي

انسب أيها النهر العذب حتى أكمل أغنيتي

انسب فلن أطيل الكلام، و لن أحدثك إلا همسا

تهب الريح خلفي

و في عصفةٍ باردة

تحمل إلى أذني قعقعة العظام، وضحكة خافتة تتردد في الأرجاء.



تسلل جرذ بين الأعشاب

ساحبا بطنه اللزج على ثرى الضفة

بينما كنت أصطاد في مياه القناة الراكدة

ذات مساء شتوي خلف معمل الغاز

متأملا... حطام سفينة أخي الملك

ومصرع أبي الملك من قبله..



..أجساد بيضاءُ عارية تفترش الأرض الرطبة

وعظام ملقاة في حجيرة العلية الجافة

لا تقعقع إلا لدى مرور الجرذ بقوائمه عليها،

عاما بعد عام.

وخلفي أسمع بين الحين و الحين [2]

أصوات الأبواق والمحركات

التي ستجلب سويتني إلى السيدة بوتر في الربيع. [3]

غمر القمر بإشراقته الساطعة

السيدة بوتر و ابنتها

وهما تغسلان رجليهما في ماء الصودا [4]

وهذه الأصوات أصوات الأطفال التي تصدح في القبة


توت توت توت

زق زق زق

بكل فظاعته

تيريو



مدينة الوهم،

تحت الضباب الأغبر ذات ظهيرة في الشتاء

دعاني

السيد يوجونيد، التاجر الإزميري

، اللحية طليقة والجيب مليء بالزبيب

والوثائق اللازمة في يده،

دعاني

برطانة فرنسية إلى الغذاء في فندق شارع كانون

وإلى قضاء نهاية الأسبوع معه في الحاضرة



في الساعة البنفسجية، عندما تتملص الأعين و الظهر من المكتب

عندما

تنتظر الآلة الآدمية

كسيارة الأجرة تخفق منتظرةً

أنا، تيريزياس، على الرغم من أنني أعمى

أضطرب بين حياتين،

أنا.. الرجل العجوز بنهدين متجعدين، أستطيع أن أرى في الساعة البنفسجية

ساعة المساء التي تكدح آئبة إلى المنزل،

التي تعيد الملاّح إلى بيته

والراقنة إلى دارها وقتَ تناول الشاي

تنظف بقايا فطورها الصباحي، تشعل الموقد

و تضع على المائدة طعاما معبأ في علب القصدير.

وعلى الحبل خارج النافذة انتشرت ملابسها بلا وجل

لتجفف لمسات أشعة الشمس الغاربة بللها.

وعلى الأريكة – و هي سريرها في الليل-

أكوامُ الجوارب و الخفاف و القمصان، و الألبسة النسوية

وأنا، تيريزياس، العجوز بنهدين متجعدين

أدركتُ القصة وتنبأت بالباقي.

كانت تترقب، وكنتُ أترقب أيضا، الضيفَ الموعود.

وها هو، ها قد وصل الشاب ذو القروح

مجرد موظف عند وكيل عقاري صغير، وله نظرة وقحة

أحد السفهاء ممن تكللهم الثقة

تكليل قبعةٍ حريريةٍ رأسَ مليونير من مدينة برادفورد

الوقت مناسب الآن في اعتقاده

فقد فرغا من الطعام وهي تعِبة يرهقها الضجر

يحاول ملاطفتها بلمسات لا تأباها إن لم ترضها

يهجم، وقد احمر وجهه واستقر قراره، مرة واحدة

بيدين تستكشفان فلا تلقيان دفاعا

لا يقتضي غروره تفاعلا

فالترحيب و التجاهل عنده سواء.


وأنا، تيريزياس عانيت، تنبأتُ بكل ما جرى على تلك الأريكة

أو السرير قبل حدوثه

أنا.. الذي جلستُ تحت أسوار مدينة طيبة

ومشيت بين أسفل السافلين في عالم الموتى



يمنحها قبلةَ متفضلٍ قبل أن ينصرف

متلمسا طريقه أسفل السلم في الظلام

تلتفت فتنظر إلى نفسها لحظةً في المرآة

وهي لا تكاد تشعر برحيل عشيقها

يدع ذهنها فكرة نصفَ مكتملة تمضي في سبيلها

" انتهى الأمر وأنا سعيدة أنه انتهى."

عندما تقع امرأة حسناءُ في الحماقة

ثم تخلو إلى نفسها فتتمشى وحيدة في غرفتها

تمسح على شعرها بحركة آلية

وتضع أسطوانة في الحاكي.



انساب ذاك اللحن فوق الماء، قربي

وعلى طول مجراه إلى شارع الملكة فكتوريا.

أيتها المدينة، أيتها المدينة

أحيانا أسمع، قرب حانة في شارع التايمز الأدنى

نحيبا دافئا لآلة المندولين

وقرعا وثرثرة في الداخل

حيث يتسكع الصيادون في الظهيرة،

حيث تحفظ جدران كنيسة الشهيد ماغنوس

سناءَ الذهب والبياض الأيوني المحيّر [5]



يعرقُ النهر زيتا و قارا. [6]

تنسابُ السفنُ والمدَّ المنسابَ

باتجاه الريح،

تنشّر أشرعتها حمراءَ عريضة

ترفرف على الصاري.

تكنس البوارجُ

الأخشابَ المنجرفة مع التيار

نحو شطآن غرينيتش

خلف جزيرة الكلاب

فويلا ويلا ويلا

ويلا ويلا ويلا

إليزابيث وليسستر

يجدفان في القارب

والكوثلُ محارة مذهّبة،

تختلط فيها الحمرة بلون الذهب

تموجات الماء الرشيقة تجتاح الشاطئين

رياحُ الجنوب

تحمل

إلى أسفل الجدول

رنين نواقيس

الأبراج البيضاء

فويلا ويلا ويلا

ويلا ويلا ويلا


حافلات وأشجار مغبرّة

هابري شهدت مولدي و أضاعتني ريشموند

وكيو،

قرب ريتشموند رفعت ركبتي

مستلقية على سطح قارب صغير

قدماي عند بوابة مور وقلبي تحت قدميّ

بكى بعد الحادث

ووعدني ببداية جديدة

لم أحر جوابا. ما الذي يمكن أن أستنكره؟

على رمال مارجيت

لا تستطيع أن تربط شيئا بشيء.

الأظافر المتكسرة في الأيدي المتسخة.

شعبي المتواضع، شعبي الذي لا يتوقع

شيئا..



ثم قدِمتُ إلى قرطاجة [7]




وهي تحترق و تحترق و تحترق

يا إلهي نجني منها

نجني يا إلهي




إنها تحترق




* * *
الهوامش

الأربعاء، 11 يناير 2017

ألفرد تنيسون، انكسر و انكسر و انكسر




انكسر و انكسر و انكسر
أيهذا البحر
على صخورك الشهباء الباردة
ليت لساني يسطيع مثلك أن يبسط
ما يجيش به فؤادي من فِكَر

طوبى لابن الصياد 
يلعب مع أُخيّته وقد تعالى صياحهما
واها لابن النوتي
يغني في قاربه الراسي بالخليج

تعبر السفن الجليلة
إلى مرفئها تحت التلة
آه ..لولا لمسة تلاشت .. ليد غائبة
و نغمة صوت قد صمت إلى اﻷبد

فانكسر و انكسر و انكسر
على أقدام صخورك المتكسرة أيهذا البحر
فما ناعم الهناء ليوم مضىى و تولى
بعائد إليَّ يوما


الخميس، 5 يناير 2017

مقتطف من لعبة شطرنج، قصيدة اﻷرض الخراب لإليوت




كان الكرسي الذي جلستْ عليه، كالعرش المنمق 

ينعكس ألقه على المرمر

حيث المرآة، تحملها أعمدة نقشت فيها 

كروم تتدلى عناقيدها

أطل منها ملاك ذهبي 

وآخرُ حجب عينيه بجناحه..

ضاعفت المرآة شُعَل

الشمعدان ذي الأغصان السبعة

انصب النور منها على المائدة

فتسامى بريق حليها ليلقاه

تسامى منسكبا من حقائب الحرير

وافرَ الألق وثيرَ الاندفاق...

من قواريرَ عاجيةٍ وزجاجيةٍ ملونة فاغرةِ الأفواه

فاحت عطورها الممزوجة

مرهمية ً، مسحوقة ً، سائلة ً، مضطربة ً ... حائرة

تـُغرق الحواس في الروائح، ينشرها الهواءُ

إذ يهب عليلا من النافذة.

تصاعدتْ

تنفخ شعلَ الشموع المتطاولة

قذفت بدخانها إلى السقف الخشبي

باعثة الحياة في أشكاله المنحوتة:

أعشاب بحرية ضخمة مشبعة بالنحاس

المصهور أخضرَ وبرتقالياً .. يحفه حجر ملون

وفي ذلك النور التعس يسبح دلفين منحوت.

وفوق الرف العتيق على المدفأة ..

، وكأن نافذة أشرعت على منظر في الغابة، كان مشهد

اغتصاب الملك البربري فيلوميلا 

بكل فظاظته.

وحتى هناك ملأ البلبل الصحراء بصوت لا ينتهك ...

و..بكت وبكت

ويتابع العالم، لا يزال،

" زق زق " لآذان قذرة.

حكت الجدران

أشكالا خشبية أخرى من الزمن،

أشكالا ذاوية،

تحدق، تبرز عن محيطها،

تميل

تطبق الصمتَ على الغرفة.

تـَردّدَ صدى خطى متثاقلة على السلم.

تحت وهج الموقد، تحت ملمس المشط

تطايرت خصلات شعرها

حبيباتِ سنا

توهجت كالكلمات

ثم غرقت في سكون موحش.

*




الأحد، 18 ديسمبر 2016

يتيمة الدهر

تغفو على شفتيكِ قافيةٌ 
نشوى كما إطلالة البدرِ
و مُهلهلٌ يتلو مواجعَهُ 
للعابرينَ و وحشةَ القفْرِ
..
رقّتْ و ها تختالُ ناعمةً 
لغةُ الهوى و قصيدةُ الدهرِ
لتغازلَ اﻷرجاءَ في شغفٍ
وتضوعَ في الأرجاءِ كالعِطرِ 

..

لغتي.. ظلالُ النخلِ مَوطنُها 
 و الرّملُ مثلُ هواجسِ البحْرِ
تضحي تُسائلُ كلَّ ظاعنةٍ 
 عند الخيامِ، شفيفةِ الخِدْرِ
و تسائل اﻷطلالَ عن عَرَبٍ 
 يدرونَ ما الأطلالُ لا تدري
مُضَرُ التي غارتْ كواكبُها 
فتظلُّ في آثارها تسري
وصوارمُ اﻷبطال صامتةٌ 
 يومَ الوغى في الجحفَلِ المَجْرِ

السبت، 17 ديسمبر 2016

أغنية الوجد



تعبا أضع قلمي إلى جانبي كالمحارب القديم، أودِعه الظل.. ألقنه الصمت.. 
نصغي معا  إلى كلالنا، نستسلم للحظة سكينة عابرة
كنا كما كنا
مردة أحيانا نطاول السماءَ و بشرا أحيانا
كسائر البشر  ننسحب خلف ظلالنا فوق الدروب العتيقة..
تطالعني عيناك تخفيان ابتسامة غرقت في ظلالهما السوداء كالآثار الدارسة تتراءى تحت بحيرة صباحية الصفاء، تتماوج فيتراقص الوهم تحتها.. ابتسامةً
تغمرني
نشوةٌ يدب ملمسها الخفي و إيقاع الشجن في صدري
يكتنفني السحر، يمتد
عالمي الشعري في الأرجاء، تحيا الأشياء 
تتجسد الرؤى،  تتكلم المرايا  و ينتشي السلام
يضحي الإيقاع مرأى يمسي الدفء ملمسا
في عالمي  المسحور
يبهت عالم الآخرين كصفحة الطيف
يطالعني الوجد..يندفق كالشعر
حبيبتي أغنـيَّةُ الوجدِ..

تتدللين كامرأة شرقية
تتدللين..
و أنا القادم من أطراف الغرب لا وقت يحويني لأسائل الأطلال عن مية، 
لأترك على عتبة بابها  جرة من النفاق المعسول و شطرَ قلبي
أطلالي المشتتة  تسائل العابرين عني،
ليست كرسم الحروف في رقعة عتيقة ..ليستْ
 هي
 هي
ما بقي من حروف الأبجدية  بعد انحسار الليل عن غارة الأذفونش .. 
لم يبتسم الصبح بعدها
ضاعت بسمته في أغوار الماء، في عَبرة شاردة
في مآقي حورية منسيةٍ.. في مآقيكِ
غرق عالمي في البحر.. حتى الأطلال غرقت..
في الغرب..
في المساءات المثقلة بملامح الظلام، بأسطر الشفق الكئيبة
يسائل أحفاد ابن زيدون البحرَ عن عالمهم المسلوب،
عن أطلاله الغارقة، عن  شمس دامية طعنها ملوك الطوائف الخمسة، أخفت ثغرها في الماء
لاح جبينها في المدى مثل جبينك أسطورة نصف معروفة
يتجاوب البحر
 صخبه لغة قديمة كتمائم بابل
ينجرف الموج قافلا.. ترتسم في مائه  أخيلة الشعراء، يتلون كانعكاس أمزجتهم، كلغة البحر.. يتلبث.. ثم يرحل   و أمانيهم إلى الأعماق في لحظة 
و أنا
الملاح التائه بين الشواطئ التائهة 
نسيتني أغاني البادية لما نسيها إدريس
لما صُلبتْ على أسوار إشبيلية أو تاهت بالـِرْمُ
في خرائط النسيان، في عالم الآخرين..
لا أدري لمَ أهذي على ضفتك
سوى أن جنوني من براءة عينيك
وأنك البحر الذي اتسع مداه لهذياني وجنوني
حينما  ضاقت الآفاق المتعبة
حين وضعت قلمي الكليل و كالمحارب الجريح
أويت إلى ظلال الصمت
إليك
فارسك ما زال يطارد غيمته في لغة الشرق،
يسري في غابات السراب، يشكل براءة الرمل
أغنية تتناقلها الرياح، تطل كالألق من عيون المها
كالبدر من شرفة الأميرات
أفاق الدون كيشوت و انطوت آخر صفحاتنا الجميلة
لما تناثرت أحلام العابرين إلى اليوم في زوايا الصمت..
أنت أكثر من غيمة يا شريكتي في الموت أنا
أكثر من فارس
وما بيننا أعمق من تفاصيل اليوم، من إيحاء لغةٍ شاعرة، 
من عالمنا يتراءى أشكالا غريقة تحت لجة الوهم
ما بيننا خفقان جرح مشرع في قلبين
انهمكا في لحظة أبدية مسحورة..
 ليست كاللحظات..

الجمعة، 25 نوفمبر 2016

الشعر و لغة الترجمة

عندما نقرأ لرواد الحداثة من الشعراء اﻷوربيين أو غير اﻷوربيين بلغاتهم الأصلية نصادف جمالا أخاذا و نصوصا رائعة كتبت بأساليب تختلس رونقها من سحر اللغة و تعلو صروحا شامخة تزهو و تفخر بها ألسن أهلها.
و حينما تتلمس نصوص الحداثيين العرب، تهولك شدة التشويه الممارس على لغتنا المسكية فلا تجد بدا من أن تشيح بذائقتك نفورا أو فزعا من ملامح ما وقعت عيناك عليه.

و لعل للترجمة أو لسوء الترجمة باﻷحرى سببا لا يخفى في تشوه ذائقة كثير من اﻷدباء أو المتأدبين الشباب كما في نفور القارئ العربي من عموم اﻷعمال الشعرية المترجمة.

إن ترجمة الشعر من الصعوبة بمكان لأنها باختصار شديد اجتثاث للنص من سياقاته لنقله إلى سياق مختلف جدا و كتابة أخرى تقرب الغريب و تمنحه بعض ملامح المألوف. لكن كثيرا ممن تصدوا لترجمة الشعر اﻷجنبي إلى لغتنا العربية عكسوا الآية فاستخدموا كلمات عربية لكلام غير عربي فأغربوا أيما إغراب وكادوا ينشئون لغة نعرف منها اللفظ و لا نكاد نتوصل إلى فهم عباراتها المبهمة
و إدراك معانيها المستغلقة، معاني ربما عبر عنها الشاعر في لغته بألفاظ بسيطة و عبارات سهلة متداولة في لغة القوم.

لقد أنتج المترجمون نصوصا مشوهة لا تكاد تستبين في متاهاتها معنى أو تعرف من شظاياها و صدوعها بريقا أو رونقا فكيف تستسيغها الذائقة أو تجد لها سبيلا إلى القلب؟

نقرأ مثلا لأحد الكتاب في ترجمة نص " المركب النشوان" للشاعر الفرنسي آرثر رامبو:

في هدرات المد و الجزر الغاضبة
الشتاء الماضي - أنا اﻷكثر رعونة من أدمغة اﻷطفال
جريتُ و أشباه الجزر العائمة
لم تألف تخبطات أكثر انتصارا

ويقول آخر:
.. أنا الشتاء الآخر الأكثر صمما من عقول الصبيان
جريت ! ولم تحتمل شبه الجزر المنطلقة (السيارة)
اختلاطا وفوضى أكثر انتصارا

يصور الشاعر بلغة فرنسية راقية و نظم موزون مشهدا شتويا تضطرب فيه الأمواج العاتية و تتلاطم بفعل حركة المد أو الجزر،
 يبحر فيه المركب بعناد كعناد اﻷطفال أو أشد شاردا لا يكترث بما يجيش حوله من مخاطر و أهوال ليمر بجزائر انحسر عنها المد ما شهدت يوما هرجا و لا مرجا أكثر عتيا من ذلك.

لكن ما قرأناه آنفا لا يخبرنا بشيء من ذلك و لا يكاد يبين عن معنى سوى أخيلة مبهمة دون ملامح تختفي حالما تظهر.

ربما توخى المترجمان الدقة فاغتالا اللغة على مذبح الصياغة و غار المعنى في غموض شديد طمس واضح معالمه.
و ليست الدقة رصف الكلمة إزاء الكلمة لتنتظم الكلمات العربية وفق مقتضيات النحو و الإنشاء الفرنسيين. ولعل بعض المترجمين يميل إلى الاستئناس بأمانة التطابق مع اﻷصل و التطابق في اﻷصل خيانة
 و تشويه للغة و المعنى فلكل لغة مقتضياتها و أساليبها في التعبير
و للشاعر أن يقدم و يؤخر و يرتب كلامه حسب ما تسمح به لغته
و على المترجم أن يفعل الشيء ذاته حسب مقتضيات لغته أيضا.

فإن كان ترتيب الكلمات على هذا النحو " أنا الشتاء الماضي اﻷكثر صمما" هو العادي الصحيح في التعبير الفرنسي فما هو بالعادي و لا المعبِّر في لغة العرب. و إن كانت لفظة الآخر تدل على الماضي في لسان موليير فما آخَرهم آخَرنا و ما هذا من معاني اللفظ في لساننا العربي. و قد يكون الصمم دالا على العناد أو انصراف الانتباه عن الواقع عندنا لكن لا يوجد في عباراتنا ما يتوصل إلى معنى العناد
أو عدم الاكتراث بإلصاقه بالعقول ووصفها به. أما الجزيرة فهي الأرض يحدق بها الماء من كل جانب أو من معظم جوانبها لذا قالوا جزيرة العرب و سموا بلاد اﻷندلس جزيرة فما الحاجة إلى الأشباه هنا و المقام مقام شعر لا درس جغرافيا. أما الفوضى و التخبطات اﻷكثر انتصارا فما ينبئنا السياق بذاك الذي غالبته و نافسته فانتصرت عليه .. أو حققت من الانتصارات ما لم يحقق، كلمة triomphante في سياقها هذا تعني ببساطة .. أروع، أكثر بهاء و ألقا، أعتى.

قصيدة رامبو ترجمها بعضهم بعنوان المركب السكران و قال آخرون مركب السكارى فيما ترجمها غيرهم إلى المركب النشوان أما مركب السكارى فخطأ لأن السكر وصف الشاعر به المركب لا راكبيه و النشوان أدل على تمشي حميّا الخمر و النشوة في الجسد و ترنح صاحبه ترنحا لطيفا لا يجعله مبغضا إلى غيره، بل قد تكون صفة محببة إلى اﻷدباء أو الشعراء خاصة، قال زهير:
وقد أغدو على ثبة كرامٍ .. نشاوى واجدين لما نشاءُ

أما صفة "سكران" فهي أعم في معناها و أكثر إمعانا في التدليل على أثر السكر غير أنها قد تحمل في طواياها موقف البغض للموصوف
و حرج الانزعاج منه. وللذائقة أن تلتمس بلطف أي اللفظتين أقرب إلى معاني القصيدة.